الشيخ محمد هادي معرفة

54

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

مثلًا قوله تعالى : « بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ » . « 1 » إنّما يلتئم الكلام سجعا في حالة الوقف على كلّ من « بَصِيرَةٌ » و « مَعاذِيرَهُ » عند النطق والقراءة بياء وراء وهاء في آخرهما . الأمر الذي لا يتحقّق في الثبت والكتابة . وهكذا قوله : « وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ . إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ » . « 2 » إنّما يلتئم السجع والرويّ لدى القراءة بالوقف على كلٍّ من « بِالسَّاقِ » و « الْمَساقُ » . وقوله : « فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ . إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ . فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ . قُطُوفُها دانِيَةٌ » . « 3 » فإنّ الرويّ فيها إنّما هو على حساب النطق والوقف على السكون . وقوله : « وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ . وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ . نارٌ حامِيَةٌ » . فإنّ الرويّ فيها إنّما يكون على حساب الوقف على التاء من « هاوِيَةٌ » و « حامِيَةٌ » ليلتئم مع هاء السكت في « ما هِيَهْ » . وهذا خاصّ بالتلاوة لا الكتابة . وقوله : « وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ . وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ . وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ . . . » « 4 » فحذفت الياء من « يسرِ » مراعاة للرويّ حالة النطق بهذا الكلام . هكذا تليت على النبيّ وتلاها على الناس ويجب الاتّباع أبدا . فحتّى الكتابة هنا تابعت التلاوة ، نظرا لأنّها الأصل في القرآن ! 4 - ألحان وأنغام جانب خطير لوحظ في القرآن يتناسب وتلاوته لفظا لا قراءته خطّا . وهو جانب نظامه الصوتي البديع المنتظم على ألحان وأنغام . كان بادئ ذي بدء هو المؤثر المستحوذ على شعور العرب قبل أن يتمكّن في نفوسهم . وقد أمر النبيّ صلى الله عليه وآله أن يقرأ القرآن بألحان العرب وأصواتها تمهيدا لتحقّق هذا الغرض ، وليس يتحقّق إلّا في تلاوته جهارا حيث

--> ( 1 ) - القيامة 14 : 75 - 15 . ( 2 ) - القيامة 29 : 75 و 30 . ( 3 ) - الحاقّة 19 : 69 - 23 . ( 4 ) - الفجر 1 : 89 - 4 .